السبت، 13 سبتمبر 2014

صيادو غزة.. شباك الصبر في بحر العدوان

صيادو غزة.. شباك الصبر في بحر العدوان

حصار وحروب متتالية على غزة أثقلت كاهلها، وأضحى القطاع ضحية من دون مغيث أمام جبروت الاحتلال الإسرائيلي، الذي استهدف مناحي الحياة الإنسانية كافة، متعمداً تدمير البنية التحتية في إطار سياسته القمعية تجاه الأبرياء، والصيد هو أحد القطاعات المتضررة.
فالصيادون أصبحوا بلا عمل وأرزاقهم باتت مقيدة بحبال الصبر بعد أن قصف الاحتلال ودمر مراكبهم التي كانت راسية على ميناء غزة، وهي العائد الوحيد لإعالة أسرهم في ظل ظروف قاسية وفي انتظار الفرج، لا مغيث يدرك الملهوف ويخفف بشاعة الظروف.
«أصبحنا متسولين نعتاش على بعض المساعدات» بهذه العبارة تحدث الصياد ناصر أبو عمرة البالغ من العمر 52 عاماً وهو أب لعشرة من الأبناء ومن مواطني غزة، فوصف حالته وحالة الكثير من الصيادين الذين دمرت مراكبهم خلال العدوان الأخير الذي استمر 51 يوماً،«أحاول توفير قوت يومي لأجل أبنائي، حيث لا بديل أمامي عن هذه المهنة التي أزاولها منذ أكثر من ثلاثين عاماً».

ناصر كان منهكاً ومنهمكاً في ترميم بعض من شباك الصيد على أنقاض المقر الخاص بالصيادين المدمر، لم يأبه لحرارة الظهيرة التي نالت منه ومن الذين يعملون معه، فترميم الشباك القديمة، بات حلاً مؤقتاً وطوق نجاة بعد الخسائر الفادحة التي تكبدها الصيادون كما يقول.
وحين توجهت إليه لأسأله، طلب مني الانتظار لبرهة من الوقت لإكمال ما كان قد بدأ فيه من عمل، راقبته عن قرب وهو يخيط الجزء المترهل من الشبك بالإبرة الخاصة بها، بكل تركيز، وبحركة سريعة تدخل الابرة من بين أنامله الغليظة التي بدت غلاظتها كعلاقة قوية تربطه مع الشبك، لتخرج من الجانب الآخر وكأنها حركة دوران حول العالم أرادت أن تؤكد أن لا بديل عن الإصرار على الحياة سوى الأمل، وبتنهيده تملؤها الآلام.
قال :« فقدت رأس مالي وقوت أولادي بعد احتراق مراكبي الراسية على الميناء، فمنذ سنين مضت أثقل حصار غزة كاهلنا، فلا معدات صيد متوفرة، ولا حتى مساحات كافية للصيد، وقد تحملنا إطلاق النار صوب مراكبنا في عرض البحر، حتى نواصل عملنا بقدر ما نستطيع.
وصمت الصياد ناصر قليلا وكأننا وضعنا على الجرح ملحا، وقال بلهجة كادت أن تكون أقرب لعتاب، لماذا أيقظتم المواجع: «بعد أن سمعنا باستهداف الميناء بقذائف بوارج الاحتلال، ورغم تواصل العدوان، إلا أننا خرجنا لنتفقد مراكبنا ومعداتنا، فوجئنا أننا أصبحنا لا نملك شيئاً، فبعض القوارب احترقت، والمقر الخاص الذي نحتفظ فيه بمعداتنا دمر بالكامل، ومنينا بخسائر فادحة».
يضيف: «صدمة وذهول هي حالتنا، وأصبحنا لا نملك سوى الدعاء، نحن فقراء والدخل الوحيد للأسرة من البحر، ونحن الصيادين من قبل الحرب بأسبوع لم نستطع الإبحار والعمل، فالوضع الأمني كان سيئاً جدا، فعلى مدار شهرين من العدوان لم نستطع توفير أدنى احتياجات الاسرة لتوقف العمل».
يتصبب العرق من جبينه دون أن يكترث بارتفاع درجة الحرارة ونسبة الرطوبة، انهمك في توجيه العاملين معه للعمل بإتقان لترميم الشبك القديم، للعودة بأقرب وقت للعمل، ليختتم حديثه معنا قائلا: هذا هو البديل إعادة ترميم القديم، والصيد بالطرق البدائية إلى حين أن نرزق تعويضات مالية.
ظروف صعبة
يقول الصياد علي بكر يعمل منذ عشرين عاماً صياداً في البحر:« لقد فقدنا كل ما نملك، المراكب تم حرقها وكافة المعدات التي كانت متواجدة بغرف الصيادين، لم يتبق لنا أي شيء»، وأضاف: انني حزين، حيث أعمل الآن بالأجرة اليومية عند أحد الأشخاص بعدما كنت صاحب قارب امتلكه ويوفر لقمة العيش لي ولأسرتي.
وعبر عن حزنه الشديد لما آلت إليه الحال، فهو بعمله عاملاً عند أحد الصيادين لا يستطيع أن يعود إلى أطفاله بما يشتهون كما كان في السابق، فالدخل أصبح محدوداً وهو لا يتقن أي مهنة آخرى غير التي ورثها عن والده، ويؤكد أن الظروف لا تزال صعبة، وحياة كل صياد في خطر كبير.
استهداف مباشر
ويرى الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن إسرائيل تعمدت استهداف قطاع الصيد لضرب البنية التحتية للاقتصاد الوطني، وتعميق الأزمة الاقتصادية والبطالة في القطاع فتعطل عمل قرابة خمسة آلاف شخص من العاملين في مهنة الصيد نتيجة عدم تمكنهم من نزول البحر أثناء العدوان، فقدوا دخولهم اليومية التي يعتمدون عليها في تلبية احتياجاتهم الأسرية.
ويعاني الصيادون حالياً أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة تقليص مساحة الصيد إلى ثلاثة أميال بعد أن كانت ستة، علماً بأن مساحة الصيد حسب اتفاقية أوسلو هي 20 ميلاً بحرياً لم يلتزم بها أبداً.
واعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الاعتداءات على الصيادين في غزة انتهاكا سافرا وضد قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والخاصة بحماية حياة السكان المدنيين واحترام حقوقهم، بما فيها حق العمل، والحياة والأمن والسلامة الشخصية، وفقاً للمادتين الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والسادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإسرائيل طرف متعاقد فيه.
وجاءت الاعتداءات ولم يكن الصيادون يمثلون خطراً على البحرية الإسرائيلية، وكان العمال يمارسون عملهم ويبحثون عن مصادر رزقهم.
خسائر مادية ومعنوية
يشير مسؤول اللجنة الاجتماعية بنقابة الصيادين مصلح أبو ريالة إلى ان خسائر قطاع الصيد المادية بلغت نحو مليون دولار، وثلاثة ملايين معنوية، تتمثل في عدم نزول الصيادين الى البحر. وقامت النقابة بحصر الخسائر وتوثيقها، الى جانب توزيع المساعدات التي قدمت من ماليزيا لكل صياد متضرر، وهناك مساعٍ جادة لمساعدة الصيادين بأي طريقة لتخطي أزماتهم الحالية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق