الأحد، 30 نوفمبر 2014

التضخم يلتهم الأجور في فلسطين

التضخم يلتهم الأجور في فلسطين
ثلث الراتب تآكل عشر سنوات
محللون: الحد الأدنى للرواتب يجب ألا يقل عن 4000 شيقل
28 ألف دولار حصة الفرد من الدخل القومي في اسرائيل و1700 دولار في الضفة وغزة
تقلب أسعار العملات وغياب عملة وطنية يفاقم المعضلة
40 % من دخل الأسرة الفلسطينية ينفق على الغذاء وشريحة كبيرة زجت في دائرة الفقر
* كمية السلع ونوعيتها تنخفض في حالة ارتفاع الأسعار وتتحسن وتزيد في حالة انخفاضها
* المواطنون منهمكون في توفير احتياجاتهم الأساسية ومضطرون لإلغاء بعض السلع من قائمتهم الاستهلاكية
حياة وسوق - حسناء الرنتيسي - "الأسعار "و"الأجور" .. مصطلحان يشتعل الصدام بينهما منذ سنوات في الأراضي الفلسطينية، فالأولى في ارتفاع متسارع والثانية بالكاد تحرك عكازيها، الامر الذي أدى لتراجع القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني، وزج بشريحة كبيرة منهم في دائرة الفقر بمختلف مسمياته وأوصافه.
ويرى الخبير الاقتصادي د. ماهر الطباع ان من أهم أسباب تآكل الاجور وفقدها لقيمتها الحقيقية هو ارتفاع أسعار السلع والبضائع عالميا وانعكاس ذلك على الأسواق الفلسطينية، ما تسبب بغلاء معيشة غير مسبوق في السنوات الأخيرة .
علاقة مضطربة
يبدي الموظف عنان الناصر ملاحظاته على تلك العلاقة المضطربة بين خطي الأسعار والأجور، ويرى أن المشكلة تتمثل في أن عملية الارتفاع الكبير على الأسعار التي لم يواكبها تطور في رفع غلاء معيشة يتناسب مع الارتفاع، حيث لم ترتفع الرواتب بما يوازي الارتفاع في الأسعار، فأخذ الفرق بينهما يبدو كخندق يقع فيه الكثير من الموظفين والفقراء لعدم قدرتهم على الموازنة بين الاثنين، فقد شهدنا الارتفاع في أسعار المحروقات واللحوم والدواجن وغيرها من المواد الاستهلاكية.
يقول عنان "قبل عشر سنوات كنت اعبئ السولار مقابل 3 شواقل للتر، بينما اليوم يفوق سعره الـ7 شواقل، اي ان الـ 100 شيقل كانت تشتري اكثر من 30 لترا، بينما الـ100 شيقل اليوم لا تساوي اكثر من 14 لترا".
ويشير رئيس جمعية حماية المستهلك، صلاح هنية ان جدول غلاء المعيشة يرتفع بصورة متكررة أكثر من مرة في العام الواحد، بينما الأجور غالبا ما تراوح مكانها او تتحرك بشكل بطيء جدا وسنوي هذا إن حدثت زيادة في الراتب.

والأجر الاسمي (NOMINAL WAGE ) : هو مقدار ما يحصل عليه العامل من مبالغ نقدية مقابل ما يقوم به من أعمال، ونظراَ لأن هذا النوع من الأجر يتأثر بمجرد ارتفاع الأسعار حيث تنخفض قيمته الحقيقية؛ فإن العاملين لا يعتدون بهذا النوع من الأجور، لأن قيمتها الحقيقية قد انخفضت وقوتها الشرائية قد تدهورت وأصبحت لا تلبي احتياجاتهم الأساسية، بينما أصحاب العمل لا ينظرون إلى الأجر إلا من الناحية الاسمية فقط . بينما الأجر الحقيقي (real wage) : هو مقدار السلع والخدمات التي تشترى لإشباع حاجات الفرد من الأجر النقدي، أي هو عبارة عن القوة الشرائية التي يحصل عليها العامل بهذا الأجر، ومن المعروف بأن هناك علاقة عكسية بين ارتفاع المستوى العام للأسعار وانخفاضه وبين ما يحصل عليه الفرد من سلع وخدمات كما ونوعا، فكمية السلع ونوعيتها تنخفض في حالة ارتفاع الأسعار وتتحسن وتزيد في حالة انخفاضها . وبالنظر للرسم اعلاه يظهر ان معدل الاجر الاسمي عام 2004 كان 73.8 شيقلا/ اليوم، وكذلك كان الاجر الحقيقي، بينما عام 2005 كان الاجر الاسمي 77.0 والحقيقي 73.96 وعام 2006 كان الاجر الاسمي 81.5 والحقيقي 75.39، وهكذا استمر الانخفاض في الاجر الحقيقي الى ان اصبح الاجر الاسمي عام 2012 حوالي 92.9 والحقيقي 68.09، وفي عام 2013 بلغ الاجر الاسمي 97.2 والحقيقي 70.05، وهنا يتضح الفرق الكبير بين الأجرين، ويتضح تآكل الاجور بناء على تلك الارقام حول الاجرين.
وما نلاحظه من الجدول السابق ارتفاع الأجر الاسمي، حيث كان عام 2004 حوالي 74 شيقلا/ اليوم، واصبح 77 شيقلا/ اليوم عام 2005، وعام 2006 اصبح 81,5 الى ان وصل الى 97,2 عام 2013.
بينما في المقابل لم يحدث هذا التزايد في جانب الأجر الحقيقي، حيث كان 73,80 عام 2004، وعام 2005 اصبح 73,96 ، وعام 2006 كان 75,39 وانخفض 2007 لـ 74,37، وفي 2008 انخفض لـ 71,89 وهكذا إلى أن اصبح 68 عام 2012 و70 عام 2013.

أعباء نفسية واجتماعية
ويرى عنان أن هذا الارتفاع في الأسعار مس الكثير من فئات المجتمع ولم يقتصر على فئة واحدة، كما انه دفع الكثيرين للتركيز على الاحتياجات الأساسية، والغاء بعض السلع من قائمة اللوازم الاسرية، منها الرحلات والترفيه، ما خلق أجواء مشحونة وضغوطات حياة وكبت انعكس سلبا بشكل كبير على المجتمع والأسر الفلسطينية.
الطباع يوضح ان تآكل الاجور يضعف النشاط الاقتصادي خصوصا في سلع وبضائع الكماليات والسلع ذات الأسعار المرتفعة ، حيث يعزف الموظفون والعاملون عن شرائها نتيجة محدودية الدخل، ويلجأون فقط لشراء السلع الأساسية لتلبية احتياجاتهم اليومية. ومن المنظور الاجتماعي يؤكد الطباع الأثر السلبي لذلك على الحياة الاجتماعية؛ بما تفرضه من التزامات وأعباء مالية في المناسبات السعيدة و الحزينة .
ويشير الطباع إلى اضطرار جزء كبير من المواطنين للجوء للاقتراض لتلبية احتياجاتهم الكمالية.

الحد الأدنى للأجور معضلة إضافية
ويسلط هنية الضوء على الحد الادنى للأجور الذي يرى أن الالتزام به ضعيف جدا في المؤسسات الخاصة، ويعتبر ذلك معضلة إضافية. واضاف هنية أن ما نسبته 40 % من دخل الاسرة الفلسطينية ينفق على الغذاء وهذه السلع المكونة لسلة غذاء المستهلك تشهد ارتفاعا وتذبذبا باسعارها بين ارتفاع جامح وبين ارتفاع متوسط بصورة تفوق القدرة الشرائية للمستهلك الفلسطيني. ويشير قرش إلى أن الحكومة وضعت 1450 شيقلا كحد ادنى للاجور، وهذا الرقم قليل جدا مقارنة بالوضع المعيشي الحالي، داعيا إلى التركيز على الحد الأدنى في الاجور لانه لا يكفي المواطن، فهذا فقر مدقع. وأضاف " ستويات المعيشة كحد ادنى وهذا يجب ألا تقل عن 4000 شيقل، لقد ارتفعت الاسعار ومازال الموظفون يتقاضون نفس الراتب، ذلكهذا يؤدي لتآكل الراتب الشهري".

تقلب العملات سبب رئيس
يرى الموظف عنان أن هناك مشكلة أخرى فاقمت سوء الوضع، وهي تذبذب أسعار العملات وانخفاض سعر الدولار والدينار، ما يعني المزيد من تآكل الرواتب وغلاء المعيشة. يقول المحلل الاقتصادي د. محمد قرش "الأجور دائما نقدية، وهي عادة تتأثر بالتضخم وعوامل عدة، في كل دول العالم الراتب ثابت، وتقلب العملات المتطور يؤثر على الاجور والقيمة الحقيقية لها، عادة في بعض الدول نهاية كل عام يعملون على تثبيت سعر صرف الدولار".
ويتابع "اساتذة وموظفو جامعة بيرزيت كانوا قد طالبوا بتثبيت سعر صرف الدولار والدينار حتى لا تتآكل أجورهم، سعر الدينار كان 4.87، الان اصبح 5.16، هم يستفيدون الان من ذلك".
ويضيف قرش "هناك بعض الدول تأخذ المؤشر العام للاسعار وتضيفه وتعوض الموظفين، لا يشترط ان يكون التعويض بنفس معدل ارتفاع الاسعار، لكن هذا التعويض يكون بنسبة قريبة تساعد الموظف على اجتياز هذا الارتفاع وتعويض القيمة المفقودة من الراتب نتيجة التضخم".
اما نحن كفلسطينيين فيرى قرش ان غياب العملة الوطنية يفاقم المشكلة لدينا، فنحن نستخدم العملات الاجنبية ولسنا متحكمين فيها سواء بقيمتها التبادلية او بارتفاع او انخفاض اسعارها، الدينار يتقرر سعره في الاردن، والشيقل في تل ابيب والدولار ايضا الولايات المتحدة الامريكية. يقول قرش "لا نستطيع التأثير لانه لا قدرة لنا في ذلك؟"، مشيرا إلى أنه من أجل التأثير على العملة يجب أن يكون لدينا الأدوات السياسية النقدية الثلاث، معدل الفائدة والاحتياطي الإلزامي والسوق المفتوحة، مؤكدا أن سلطة النقد لا تؤثر الا على الاحتياطي الإلزامي ، لكنها لا تستطيع تخفيض معدل الفائدة على الشيقل والدولار".
ويتابع قرش "لا تستطيع سلطة النقد دخول السوق المفتوحة مشترية او بائعة للعملة، كما تفعل الاردن او اليابان او اوروبا وغيرها، منوها إلى أنه في العادة إذا انخفضت عملة الدولة أكثر من الحد المقبول يتدخل البنك المركزي من خلال شراء عملته من السوق مقابل العملة المركزية، مضيفا"العملات الثلاث المتداولة في فلسطين اجنبية ولا قدرة لنا لوضع حد لتغيرات تقلبات العملة".

من المتضرر الاكبر؟
ويرى قرش أن الأجيرين في الراتب اليومي هم اكثر المتضررين لأن عملهم ليس ثابتا، فمن يأخذ راتبه بالدولار معرض للربح والخسارة، واذا اردنا التحويل من دولار للشيقل نحقق الربح حاليا. ويشير د. الطباع إلى أن المتضرر الأكبر من تآكل الاجور هم الموظفون والعاملون في القطاع الخاص يليهم موظفو القطاع العام.

الأجور والدولار
ويؤكد قرش أن انعكاس تذبذب أسعار العملات وارتفاع سعر الدولار حاليا مقابل الشيقل سيلحظه المواطن بعد فترة، حيث ستتأثر أسعار السلع المقومة بالشيقل بعد فترة ارتفاعا او انخفاضا، واكثر من يتأذى هو المواطن الذي يشتري السلع او يحصل على خدمات. وقال قرش إن موظفي القطاع العام وبعض القطاعات انخفضت رواتبهم فعليا، وسيظهر الانخفاض على اجر الموظف عند ارتفاع الأسعار. ويضيف قرش "نستورد بالعملات الاجنبية وبالتالي حاليا سترتفع الاسعار، فاذا اردنا الاستيراد بـ 100 مليون دولار تكون الحسبة كالآتي: كنا ندفع مقابلها 312 مليون شيقل، بينما اصبحنا ندفع 370 مليون شيقل او أكثر حسب سعر الصرف اليوم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع الأسعار، اي كلما ارتفعت أسعار الدولار سترتفع اسعار المستهلك، وهذه ناتجة عن انخفاض الشيقل مقابل العملات الأخرى.

المقارنة غير عادلة
وبشأن المقارنة مع الأجور في اسرائيل، يقول الطباع ان الاتفاقيات التي وقعتها السلطة الوطنية مع الجانب الإسرائيلي ساهمت في تحجيم دور السلطة وعدم سيطرتها على المصادر الطبيعية و المعابر الحدودية، وربطت الاقتصاد الفلسطيني الناشئ ذي النمو الضعيف بالاقتصاد الإسرائيلي القوي ذي النمو الكبير، الذي اعتبره البنك الدولي من ضمن أفضل الاقتصاديات في العالم، ما كان له الأثر الكبير في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني وتدهوره وحدوث فجوة كبيرة بين مستوى المعيشة لدى الطرفين، حيث بلغ الحد الأدنى للأجور في إسرائيل 4300 شيقل شهريا، وهذا يوازي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور في المناطق الفلسطينية، الذي تم إقراره حديثا، وبلغ 1450 شيقلا شهريا، وهو أقل من خط الفقر الوطني في فلسطين الذي يبلغ تقريبا 2300 شيقل شهريا. وأشار الطباع الى فجوة كبيرة بين نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي لدى الطرفين، حيث يبلغ نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي في إسرائيل 28000 دولار، بينما يبلغ في المناطق الفلسطينية 1700 دولار، هذا بالرغم من التقارب الكبير في أسعار المواد الاستهلاكية والأساسية لدى الطرفين.
ويشاركه الرأي قرش الذي يرى ايضا أن المقارنة غير عادلة مع اسرائيل، وأضاف "سنسمع خلال الفترة المقبلة تعويض اسرائيل على ضوء مؤشر الأسعار للجهاز المركزي للاحصاء الاسرائيلي للموظف الاسرائيلي".

على الحكومة توزيع الأرباح
اما عن دور الحكومة في معالجة تآكل الاجور او الحد منه فيقول قرش "لا يمكن معالجة تآكل الأجور ضمن المتاح"، مضيفا أن الحكومة والقطاع الخاص يرفضان رفع الأجور. وتابع" الحكومة تحصل على مساعدات بالدولار، وقد كانت تصرف الـ 100 مليون دولار بـ 320 مليون شيقل تقريبا، الآن تصرفها بـ 370 مليون شيقل تقريبا، اي أن الحكومة ربحت 50 مليون شيقل على الاقل، وبالتالي القطاع العام والحكومة تحققان أرباحا الآن، وعلى الحكومة توزيع هذا المبلغ على الموظفين لتعويضهم، لكن الحكومة لن تفعلها". وتابع قرش "من الصعب على السياسة النقدية التعامل مع تقلب الشيقل لصالح الأجيرين ورواتب الموظفين، لأنه سيترتب على ذلك أن تقوم الحكومة والقطاع الخاص بزيادة الرواتب"، منوها إلى أن الحكومة لا تستطيع فعل شيء، فالاموال تأتيها على شكل منح، وهي دورها موزع فقط.
وأضاف" الضرائب التي تأتيها قليلة ولا تستطيع إدارة الرواتب والأجور بما يضمن مصلحة الأجيرين، لأنه ليس لديها تحكم بأسعار العملات، وبالتالي لن تفعل شيء إلا إذا كان الفرق في سعر الدولار والشيقل يحول للموظفين وهذا لن يحدث".
وطالب الطباع بضرورة رفع الأجور قائلا "بالرغم من الأزمة المالية التى تعاني منها السلطة الوطنية إلا أنه يجب زيادة الأجور لتتناسب مع حجم ارتفاع الأسعار ومعدلات غلاء المعيشة حتى يعيش الموظف والعامل في أريحية ويستطيع تلبية احتياجاته، كذلك مطلوب ذات الشيء من القطاع الخاص، والتاجر مطالب كذلك بمراعاة الظروف الاقتصادية والابتعاد عن رفع الأسعار و احتكار السلع، ومطلوب من الموظف أن يوائم بين دخله و احتياجاته".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق