الثلاثاء، 24 فبراير 2015

التعليم والعمل والعلاج خارج حدود القطاع أحلام تتحطم على عتبة العقوبات السياسية بإغلاق المعابر

التعليم والعمل والعلاج خارج حدود القطاع أحلام تتحطم 
على عتبة العقوبات السياسية بإغلاق المعابر 
غزة-محاسن أُصرف
يبدو أن المعابر السبعة التي تُحيط بقطاع غزة لم تتعدَّ في الوصف حدود حروفها؛ إذ بقيت جوفاء وبدلاً من أن تكون شرايين حياة أصبحت بفعل التضييق إنذار موت وعنوان مأساة تتكرر يوميًا بلا انتهاء.
ويُصر المواطنون على وقوعهم ضحية للمناكفات السياسية داخليًا وعلى المستوى الدولي، مطالبين بضرورة النظر في معاناتهم بعين المسؤولية لا التهرب منها، وقال العديد منهم: إن تفاصيل مهمة في حياتهم أوقفها إغلاق المعابر ووئدت بسبب الحصار، فبعضهم لم يتمكن من إتمام زفافه، وآخرون لم يتمكنوا من استكمال دراستهم أو مزاولة مهنتهم.
بينما يؤكد مسؤولون في أحاديث منفصلة لـ"الحدث" أن الجهات التي تتحكم بوصد وفتح معابر القطاع تُمعن في مأساتهم والذريعة دومًا "أمنية"، وقال د. أشرف القدرة: إن أخطر تداعيات إغلاق المعابر الحدودية للقطاع التصقت بالقطاع الصحي والإنساني، ولم يُقلل من خطورة تداعياتها على الواقع الاقتصادي، مؤكدًا أن المعابر باتت وسيلة إنهاك وقتل بطيء للمواطن الغزي.
وأشار رزق الحلو من وزارة السياحة إلى أن قطاع السياحة تكبد خسائر قُدرت بـ7 ملايين دولار نتيجة الإغلاق المتكرر للمعابر وعدم رفع الحصار والظروف الاقتصادية العصيبة التي يمر بها السكان.
"الحدث" تقف لتُلامس مأساة الغزيين جراء التضييق على المعابر وتنلقها عبر سطور التقرير الآتي:
لعنة غزة
تصف داليا شراب 32 عامًا المعابر الحدودية لقطاع غزة "باللعنة" مؤكدة أن إغلاقها على التوالي حرمها من تحقيق كثير من أحلامها بدءًا من السفر إلى فرنسا لاستكمال دراساتها العليا في مجال الفلك والفيزياء بمنحة كاملة، مرورًا بحرمانها من المشاركة في المؤتمرات الشبابية، وليس أخيرًا -كما تقول- كانت المعابر حائلاً بينها وبين خطيبها راشد فضة من نابلس، تصمت راسمة ابتسامة ساخرة وتقول: "حتى المعابر المحلية بين جناحي الوطن ممنوع علينا اجتيازها بأمر الاحتلال، إما لأسباب أمنية أو لاعتبارات العمر المسموح به"، وتُشير إلى بعض محاولاتها في اجتياز المعابر من خلال الفضاء الإلكتروني أملاً في إيجاد حالة من التعاطي الرسمي مع معاناتها وآلاف الشباب مثلها.
وتخرجت داليا من كلية العلوم قسم فيزياء بالجامعة الإسلامية، وحصلت على عدة دبلومات في مجالات مختلفة كالإعلام،  والتأهيل التربوي، وإدارة الأعمال، عدا عملها في مجال التدريس بوزارة التربية والتعليم العالي، والتدريب مع وزارة الشباب والرياضة، بالإضافة إلى العمل في مجال تنمية تفكير الطفل في مؤسسة العلماء الصغار، ومركز القطان للطفل، تؤكد داليا أن مؤهلاتها واهتماماتها المختلفة كانت تُقدم لها فرص تطوير مهاراتها بالتدريب الخارجي مع جامعات ومؤسسات علمية إلا أن المعابر حالت دون خروجها، ورغم ذلك تؤكد أنها لم تيأس، وبدأت تعمل حاليًا على تطوير مهاراتها في مجال تكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال استعدادًا للبدء بمشروعها الخاص.
زفاف من دون عريس
وتناقل ناشطو على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة دعوة لحفل زفاف نُظم في غزة دون وجود العريس كونه مُقيمًا في الأردن، وحال إغلاق المعبر الحدودي الوحيد مع القطاع من وصوله إلى عروسه وإكمال مراسم الزفاف، وتعود دعوة الزفاف  لفتاة تُدعى أمل محيسن التي وجدت نفسها مضطرة بعد تأجيل الزفاف لأكثر من مرة بسبب إغلاق المعبر وعدم تمكن عريسها من الحضور اضطرت لأن تُقيم مراسم الزفاف وحيدة في فندق الحلو الدولي الاثنين الماضي، وتُشير إلى أن عائلة زوجها ولتفادي السؤال عن عدم حضور العريس في الحفل ذيلت بطاقة الدعوة بملاحظة "تعذر حضور العريس بسبب إغلاق المعبر"، وأثارت هذه العبارة تعاطف الكثير من الحضور مع العروسين أمل وباسل، مؤكدين أنهم ليسوا الحالة الأولى ولا الأخيرة في ظل استمرار السلطات المصرية إغلاق معبر رفح متذرعة بحفظ أمنها.
في انتظار الموت
وتبدو تداعيات التضييق على المعابر أكثر خطورة حين تتعلق بالجانب الصحي الإنساني للمواطن المُكبل بقيود أمنية هو لا دخل له بها، تقول المواطنة أم كرم من مدينة رفح لـ"الحدث": إنها تُعاني الموت يوميًا بانتظار فتح معبر رفح الذي سيُمكنها من مغادرة القطاع وصولاً إلى معهد ناصر بالقاهرة لتلقي علاج لمرض السرطان الذي نهش جسدها وأضعف قوتها.
ولا تختلف حدود المعاناة كثيرًا لدى الطفلة آية بدوي من رفح التي تُعاني مشاكل في السمع استدعت زراعة قوقعة على يد وفد طبي زار القطاع عام 2010، تمكنت على إثرها من سماع الأحاديث والنطق بها لفترة وجيزة، ومن ثمّ عادت لتفاصيل الألم والمعاناة، تقول والدتها لـ"الحدث": "تعطل جهاز القوقعة الداخلي ولم نتمكن من صيانته لافتقار القطاع لمركز صيانة، عدا إغلاق المعابر المستمر الذي حال دون خروج الأجهزة لصيانتها في الدول المجاورة".
ويحرم إغلاق المعابر حوالي 100 طفل من زارعي القوقعة من صيانة أجهزتهم والتمتع بسمع ونطق يُمكنهم من ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي، ويُناشد أهالي المرضي الجهات الرسمية والمجتمع الدولي ضرورة رفع الحصار عن القطاع وفتح المعابر بما يُمكن مواطني القطاع من التنقل والحركة ويُخفف من حدود معاناتهم.
تأثيرات صحية خطيرة
ويؤكد أشرف القدرة، الناطق الإعلامي باسم وزارة الصحة في قطاع غزة أن إغلاق المعابر أثر بشكل كبير على مجمل القطاع الصحي، سواء على مستوى الخدمات الصحية المُقدمة في مستشفيات وعيادات الوزارة أو في مدى توفر الأدوية والمستهلكات الطبية وتوفر الأجهزة الطبية وقطع الغيار وحتى على مستوى تطوير الكوادر البشرية وتطوير المنشآت الصحية والوقود المُشغل لها في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي يوميًا لأكثر من ثماني ساعات، وقال القدرة، في تصريحات لـ"الحدث": "أدى إغلاق معبر رفح مع الجانب المصري إلى حرمان القطاع من 30% من الأدوية والمستهلكات الطبية كانت تدخل إليه بطرق رسمية"، وأشار إلى أن أحداث يونيو 2013 انعكست سلبًا على تعاطي المصريين مع المعبر حيث عمدت إلى إغلاقه باستمرار إلا أياماً محدودة لا تتجاوز 100 يوم خلال العام الماضي.
وفي المجال ذاته، نوه القدرة إلى أن إغلاق المعبر أجهض جهود المؤسسات الإغاثية في إدخال المساعدات الطبية والأدوية والأجهزة إلى القطاع عبر القوافل الإغاثية التي كانت تأتي للقطاع، كما حرم المرضى والجرحى من الفرق الطبية التي كانت تصل إليهم في القطاع لإجراء عمليات دقيقة داخل مستشفيات وزارة الصحة، وأكد أن كثيراً من تلك الفرق لم يتمكن من التحول إلى معبر بيت حانون الذي تُديره قوات الاحتلال الإسرائيلي نظرًا لعدم وجود علاقات دبلوماسية بينها وبين إسرائيل.
ويُطالب القدرة السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي لرفع الحصار وفتح المعابر وإنهاء معاناة أكثر من مليوني مواطن يقطنون قطاع غزة بمحافظاته الخمس، قائلاً: "الأوضاع الإنسانية باتت على حافة الهاوية وتتطلب جهدًا مكثفًا وحلاً جذريًا لضمان عدم عودتها من جديد".
المعابر التجارية معاناة أخرى
والمعاناة على المعابر التجارية لا تبدو أخف وطأة بل أعمق، خاصة في ظل المماطلة في تنفيذ التسهيلات عليها التي أُعلنت ضمن اتفاق القاهرة والقاضية بإدخال مواد البناء لإعادة الإعمار وتأهيل المنشآت الصناعية والاقتصادية التي تضررت خلال الحرب، وأدت إلى توقف عجلة الإنتاج وحركة النشاط في قطاع غزة.
ويشكو مواطنون وأصحاب مصانع  لـ"الحدث" من ضآلة كميات البضائع والسلع التي تسمح إسرائيل بإدخالها إلى القطاع من خلال معبر كرم أبو سالم، مؤكدين أنها لا تفي باحتياجاتهم لتشغيل خطوط الإنتاج، وقال أحد أصحاب مصانع الرخام والجرانيت بحي الشجاعية شرق مدينة غزة: إن مصنعه توقف عن العمل بسبب إغلاق المعابر، ومن ثم بسبب قصفه وتضرره خلال الحرب الأخيرة، مؤكدًا أن قرابة 30 عاملاً فقدوا لقمة عيشهم بإغلاق المصنع نتيجة عدم توافر المواد الخام التي تُحرك عجلة الإنتاج، مطالبًا الجهات الراعية لاتفاق القاهرة والمتعهدة بالإعمار بضرورة الضغط على الاحتلال لرفع الحصار وفتح المعابر بما يُعيد الحياة الاقتصادية إلى أوجها في القطاع الذي واجه تدمير بنيته الاقتصادية منذ ثماني سنوات تخللتها ثلاث حروب ضارية.
ولا يلبي معبر كرم أبو سالم المتطلبات الاقتصادية والإنسانية للقطاع، وبحسب لجنة إدخال البضائع بوزارة الاقتصاد الفلسطينية فإن القطاع يحتاج من 700 -900 شاحنة يوميًا من السلع والبضائع، إلا أن ما يتم إدخاله لا يزيد على30% فقط من الاحتياجات اليومية أي حوالي 300 - 400 شاحنة.
ويؤكد د. ماهر الطبّاع الخبير في الشأن الاقتصادي أن إسرائيل ضاعفت من معاناة التُجار وأصحاب الصناعات والمؤسسات الاقتصادية بإغلاقها كافة المعابر التجارية مع القطاع باستثناء معبر كرم أبو سالم لافتًا إلى أنه يعمل وفقًا للمزاج الإسرائيلي المتعلق بأمنها وأعيادها الرسمية، وبآلية مُجحفة.
وكانت إسرائيل تمنع قبل عدوانها الأخير على القطاع والذي استمر 51 يومًا؛ إدخال أكثر من 100 سلعة إلى قطاع غزة خاصة بالإنتاج وتحريك عجلة المصانع والمؤسسات الاقتصادية كالأسمنت والحديد والحصمة، ويُوضح الطبّاع أن الآمال كانت كبيرة بعد اتفاق القاهرة وإبرام جملة من التسهيلات على المعابر لإدخال مواد البناء وإعادة إعمار القطاع وإنشاء المشاريع الاستثمارية التي تُخلص القطاع من تبعات الحصار الذي استمر ثماني سنوات، مستدركًا: "لكن شيئًا لم يتغير".
وتوقع الطبّاع حدوث انكماش في معدلات النمو الاقتصادي تفوق في سوئها تلك التي حدثت في عام 2006، قد تتجاوز الـ15% من إجمالي الناتج المحلي نتيجة الركود الاقتصادي في القطاع وانهيار المنظومة الاقتصادية بسبب الحصار وإغلاق المعابر والحرب مؤخرًا، مطالبًا بضرورة توحيد الجهود من أجل تحسين أداء المعابر.
7 ملايين دولار خسائر السياحة
وعلى صعيد القطاع السياحي لم يتمكن أي من الوفود التضامنية من الوصول إلى قطاع غزة؛ ما أثر على فعالية ونشاط المنشآت السياحية كالفنادق والمطاعم والمنتجات التي لم تستطع العمل بكامل طاقتها، ورصد رزق الحلو مدير دائرة السياحة بالوزارة تَضَرُر 100 منشأة سياحية في مختلف مناطق القطاع، وقدر خسائر القطاع السياحي غير المباشرة بحوالي (7 ملايين دولار)، نتجت عن ضياع موسم الاصطياف والسفر والعمرة وتوقف الكوادر البشرية في القطاع عن العمل بسبب تدهور الحالة السياسية، ونوه الحلو إلى أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة ضاعفت خسائر القطاع السياحي عبر هروب رؤوس الأموال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق