الثلاثاء، 2 يونيو 2015

استهداف المنشآت.. سلسلة خسائر والأضرار ليست اقتصادية فحسب

استهداف المنشآت.. سلسلة خسائر والأضرار ليست اقتصادية فحسب

تقرير/ فاطمة أبو حية:

لطالما قيل إن الاحتلال يستهدف البشر والشجر والحجر، وهذا ما يثبته في جرائمه دومًا، ففي الحرب الأخيرة وحدها، أسفر استهداف البشر عن استشهاد أكثر من ألفي فلسطيني، وتم قصف أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة, بذريعة استخدامها من قِبل المقاومين في إطلاق الصواريخ، فيما خسائر الأنشطة الاقتصادية في القطاع بلغت 1620 مليون دولار أمريكي, بحسب وزارة الاقتصاد، هذه الخسائر المادية تشمل المباني والمنشآت والبنى التحتية وغيرها من مكوّنات الاقتصاد الفلسطيني، وفي هذا التقرير نتطرق إلى استهداف المصانع وما له من تبعات اقتصادية واجتماعية.
وبحسب بعض الإحصائيات، فإن القطاع الصناعي خسائره كانت بالغة في الحرب الأخيرة، حيث استهدف الاحتلال أكثر من 360 منشأة صناعية؛ ما أدى إلى توقفها بشكل كامل، إضافة إلى أن مئات المنشآت الأخرى توقف العمل فيها وإنتاجها بسبب صعوبة العمل ووصول العاملين إليها خلال الحرب، وبسبب هذا الاستهداف خسر أكثر من 3000 عامل وموظف أعمالهم.
وبمزيد من التفصيل عن الخسائر الاقتصادية، فقد ورد في إحصائية للمرصد الأورومتوسطي أن مجموع الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاع الاقتصادي في قطاع غزة, تُقدَّر بنحو 3 مليارات و6 ملايين دولار، وأن الاحتلال استهدف 9 محطات لمعالجة المياه، و18 منشأة كهربائية، و19 مؤسسة مالية ومصرفية، و372 مؤسسة صناعية وتجارية، إضافة إلى استهداف 55 قاربَ صيد، و10 مستشفيات، و19 مركزًا صحيًّا، و36 سيارة إسعاف.
سلسلة طويلة
المدير العام في شركة فلسطين للصناعات الغذائية وائل الخليلي, يقول: إن استهداف مصنعه وكثير من المشاريع المشابهة, لم يؤثر في أصحاب المصانع فقط، وإنما طال سلسلة طويلة من المستفيدين من هذه الأعمال، إضافة إلى أن التأثيرات ليست اقتصادية فحسب.
ويضيف لـ"فلسطين": "تم استهداف المصنع أكثر من مرة، وذلك في الحرب الأولى وفي بعض الاجتياحات, لكونه يقع في منطقة حدودية، لكن ما تعرّض له في الحرب الأخيرة كان الأسوأ على الإطلاق، فقد تم استهدافه من قبل طيران الاحتلال بشكل مباشر، ثم تم تجريفه وحرقه، فضلًا عن ما طاله من القصف المدفعي العشوائي، وفيما بعد تم قصف المعرض التابع لنا في برج الباشا، وبذلك تم تدمير كل ما يعود للمصنع".
ويوضح: "خسارة هذا المصنع لا تقدر بثمن، والسبب يعود إلى أن عشرات العمال فيه فقدوا وظائفهم وقوت أولادهم، وكذلك المزارعون الذين كانوا يعتمدون على بيع محاصيلهم لنا، إلى جانب الموزعين والتجار وغيرهم ممكن كانوا يتعاملون مع المصنع"، مبينًا: "إضافة إلى ما سبق، فإن المصنع هو الوحيد في فلسطين الذي ينتج مركّزات العصير ويوفر المادة الخام للكم الأكبر من المصانع".
ويؤكد الخليلي: "الحرب دمّرت حلمًا فلسطينيًّا مهمًا، فقد كان المصنع يشتري كميات كبيرة من الفواكه والخضراوات من السوق المحلي, ويتم تخزينها بطرق علمية غير متاحة للمزارعين"، متسائلًا: "ما مصير هؤلاء المزارعين؟, وماذا عن محاصيلهم التي لن نتمكن من شرائها وتخزينها؟, وما مستقبل العمال الذين اضطررنا لتسريحهم؟".
ويرى الخليلي أن تدمير المصنع كان بمثابة "إصدار أحكام بالإعدام" على كل من تضرر منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، نظرًا لأن العمال فقدوا وظائفهم, وبعض المزارعين فقد الجهة التي اعتاد على بيع منتجاته لها، موضحًا: "نحو عام مرّ على العاملين في المصنع دون عمل، ولا يمكننا إعادتهم, حيث لم يعد يوجد مصنع، ورغم أن بعضهم تم تدمير بيوتهم في الحرب، إلا أن فقدان الوظيفة أصعب بالنسبة لهم، ويجعلهم في عداد المتسولين، فوجود دخل ثابت أمر مهم حتى وإن كان الراتب متدنيًا".
ويقول: "من المستحيل إعادة هذه المنشأة الصناعية حاليًا إلى ما كانت عليه سابقًا، فقد كانت ضخمة وبآلات كثيرة، وهو ما لا يمكن استعادته بسبب الحصار وعدم توافر مواد البناء أو استيراد الآلات، ومع ذلك فنحن نسعى حاليًا لفعل كل ما بوسعنا لإعادتها"، مضيفًا عن الإعمار والتعويضات, أن "الوضع كارثي، ولا توجد أي جهة تتولى المساعدة في هذا الجانب، ولذا فإن الجريمة مركبة، حيث لا يقتصر الأمر على جرائم الاحتلال، بل سكوت المجتمع الدولي والمانحين هو جريمة أخرى".
ومن وجهة نظره، فإن استهداف المصانع ليس مجرد عمليات قصف لبعض المنشآت، وليس قضية اقتصادية فقط، وإنما ثمة أبعاد أخرى، موضحًا: "الاحتلال استهدف معظم المنشآت الصناعية، وذلك لكون المنتجات المحلية تشكّل منافسًا لمنتجاته؛ ولأن الاقتصاد القوي يعني وجود سياسة قوية، وهو اللبنة الأولى لأي دولة وكيان سياسي، إضافة إلى أن تأثيراته لا تتوقف على الخسائر، بل تطال الجانب النفسي والاجتماعي للمتضررين، فالفقر قد يصل بصاحبه إلى ارتكاب الجرائم".
ويلفت الخليلي بالقول: "تقدمنا بشكوى لمراكز حقوقية، ولكن لم نحقق أي نتائج، فالاحتلال ليس له قوّة رادعة رغم كل القوانين الدولية"، مؤكدًا: "الجريمة بحق المصنع موثّقة، فلدينا صور ومقاطع فيديو توضح كل ما تعرّض له".
الكل مُستهدف
من جانبه، يقول تيسير أبو عيدة، وهو صاحب مصنع باطون مدمر: "الاستهداف في الحرب الأخيرة طال معظم المصانع، ولم يكن يقتصر على مصانع محددة كما كان يحصل في بعض الأحيان".
ويضيف لـ"فلسطين": "الأمر لم يتوقف عند الاستهداف في الحرب، بل امتد مع استمرار الحصار، فالمصانع كلها شبه متوقفة تمامًا في الوقت الحالي، والعمل يقتصر على المشاركة في المشاريع التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، والمشاريع القطرية، والأعمال الخاصة ببعض المؤسسات الدولية".
ويتابع: "إعادة الإعمار ليست أمرًا سهلًا في ظل الظروف التي يعيشها القطاع, واشتداد الحصار المفروض عليه منذ سنوات، ولكن تم ترميم المصنع بالقدر الممكن، ولا نزال ننتظر تحسن الأوضاع".
ويؤكد أبو عيدة أن تبعات استهداف المصانع طالت كل من له علاقة بها، وليس ملّاكها فقط، خاصة العمال وأصحاب الوظائف البسيطة فيها، الذين أصبحوا بلا عمل بعد استهدف المنشآت التي كانوا يعملون فيها، مع عدم القدرة على الحصول على وظائف أخرى بسهولة في ظل ما يعانيه القطاع من أوضاع معيشية واقتصادية صعبة.
ويلفت إلى أن "المراكز القانونية المختصة تركتنا بلا أي مساعدة أو وقوف إلى جانبنا في محاولات الحصول على حقوقنا وعلى أي تعويضات مقابل ما تكبّدناه من خسائر وأضرار".
خسائر شاملة
وجاء في مقال للمحلل الاقتصادي الدكتور ماهر الطبّاع: "تعرض قطاع غزة, على مدار 51 يومًا, لحرب إسرائيلية شرسة وضروس وطاحنة استهدفت البشر والشجر والحجر وحرقت الأخضر واليابس دون تمييز, وأدت إلى تدمير البنية التحتية لقطاع الخدمات العامة, حيث تم تدمير العديد من شبكات الصرف الصحي وشبكات الطرق وخطوط ومحولات الكهرباء وشبكات الاتصالات الأرضية والهوائية وآبار المياه وتدمير مباني المؤسسات العامة والحكومية والمنازل السكنية والجمعيات والممتلكات الخاصة والمنشآت الاقتصادية (محال تجارية وشركات ومصانع ومخازن), والأراضي الزراعية, وميناء الصيادين والمراكب ومركبات المواطنين الخاصة وصالة معبر رفح الخارجية والداخلية.
حتى أنها وصلت إلى المؤسسات الصحية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والإعلامية والرياضية والمساجد والمقابر والكنائس, وتحول قطاع غزة وشوارعه إلى أكوام من الدمار والركام, ونتجت عن ذلك خسائر مادية فادحة, وبحسب التقديرات الأولية فقد تجاوزت الخسائر الاقتصادية الإجمالية المباشرة وغير المباشرة في المباني والبنية التحتية وخسائر الاقتصاد الوطني في قطاع غزة بكافة قطاعاته الاقتصادية, 5 مليارات دولار تقريبًا, خلال فترة الحرب التي استمرت 51 يومًا.
ونتيجة للشلل الكامل في كافة مناحي الحياة على مدار 51 يومًا, وتوقف الإنتاجية في كافة الأنشطة الاقتصادية وإغلاق المنشآت الاقتصادية في القطاعات المختلفة (القطاع التجاري, القطاع الصناعي, القطاع السياحي, القطاع الزراعي, القطاع الخدماتي, القطاع المصرفي), فقد قدرت الخسائر الأولية اليومية بنحو 7.6 ملايين دولار تقريبًا, وبناءً على قيمة الإنتاج اليومي من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لكل الأنشطة الاقتصادية المختلفة, أي بإجمالي يقدر بنحو 387 مليون دولار خلال تلك الفترة الحرب.

فلسطين اون لاين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق